حول مفهوم الدولة عند المسلمين وأتباع الديانات السابقة .. الشيخ/ محمد المحيسني
الدولة المدنية والدينية بالمفهوم الغربي، مصطلح لا مكان له ولا معنى على الإطلاق عندنا كمسلمين. فمصطلح الدولة المدنية لدى الغرب يمتد إلى أعماق تاريخهم، وهو يعني: (العلمانية)، أو فصل الدين عن الدولة، وإقصائه تماماً عن كل شئون الحياة السياسية والإدارية.
أما مصطلح الدولة الدينية في مفهومهم، فإنه يعني تحكم طبقة ما يسمّى برجال الدين عندهم في كل الشئون، وممارسة الظلم، والاستغلال، والاستبداد، والتشريع، والتنظيم، باسم الحق الإلهي الذي لا راد له ولا معقب عليه، وهو ما أدى إلى تدمير الدين والدنيا لديهم في تلك الفترة، حتى أن الطبيب والمهندس والمخترع والمبدع...إلخ، لم يكن لهم إلا مصير واحد في ظل ذلك الكهنوت، وهو الموت حرقاً، تلك أسباب جعلت الغرب على غير وفاق مع الدين إلى حين.
ثم ما لبثت عقائد اليهود وخرافاتهم أن تسللت إليهم، لتخلق فرقة رئيسية ثالثة، لا هي بالأرثوذكس، ولا هي بالكاثوليك، تسمى: (البروتستانت)، عقائدها خليط من عقائد الفرقتين المذكورتين وخرافاتهما، مضافاً إليها كثيراً من خرافات اليهود وعقائدهم، وما استحدثه الرهبان والقساوسة من خرافات جديدة، وبرزت من رحم هذه الحركة التجديدية كما سموها: (جماعة المسيحيين الصهاينة).
وكلهم يحلمون بالسيطرة على العالم، وحكمه وباسم: (الحق الإلهي)، تحت قيادة (المخلص المنتظر)، وإن بدرجات متفاوتة، تبلغ أقصى مدى لها عند جماعة الإنجيليين، أو من سموا باسم المسيحيين الصهاينة، أو الأصوليون الجدد.
وعند اليهود الدولة ما هي إلا دينية بامتياز، بل إن الشعب هو: (شعب الله المختار)، ومن سواهم من: (الأميين)، ما هم إلا خدم لهم، خلقوا على صورتهم، وهم لا يستحقون - في نظرهم - أي حق من حقوق الإنسان.
ومنذ فترة الشتات، ووقوعهم في الأسر على يد: (بختنصر)، لم تقم لهم دولة إلا في العصر الحديث على أرض (فلسطين) المحتلة، دولة تقوم على أساس ديني عنصري، وهي تطمح للسيطرة على العالم أجمع، وبـ(الحق الإلهي) تحت قيادة (مخلصهم المنتظر) - حسب معتقداتهم -.
بيد أنهم يعتقدون وفقاً لتعاليم التلمود: أن أرض إسرائيل المقدسة تمتد جغرافياً ما بين الفرات، والنيل شرقاً وغرباً، والمدينة والإسكندرونة جنوباً وشمالاً.
يأخذون ببعض النظم الإدارية الحديثة، ويسمحون بالتعدد لكن ضمن الإطار العنصري المقيت، ولديهم مؤسسة دينية تسمى: (الكنيست)، جعلوها في مقابل ما يسمى: (البرلمان)، وعندهم طبقة رجال دين يسمون: (الحاخامات)، يمارسون نفس الدور الذي يقوم به من يسمون: (المراجع) لدى بعض فرق المسلمين الشيعة، وهم غالباً لا يكونون إلا من سلالة نبي الله: (هارون) عليه السلام، وهي سلالة تحظى بامتيازات ليست لسواها.
واليوم هناك أصوات قوية من الحاخامات تنادي وتبشر بقرب قيام الدولة اليهودية، على شريعة التوراة كما يؤمنون بها، وما هي إلا فترة وجيزة حتى يتحقق ذلك.
وكلا الفريقين من يهود أو نصارى، يعتبرون أنهم: (أبناء الله وأحباؤه)، كما سجل ذلك القرآن الكريم، وأنه: (لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى)، من غير جنسهم، بتشيعه لهم واعتناقه دينهم، وهكذا هي أماني المنحرفين على مر العصور.
ونحن كمسلمين، عندما نستعمل هذه المصطلحات: (تجاوزا)، نقصد بذلك رفض تحكم المستبدين أياً كانوا، ورفض ما يسمى الكهنوت القائم على العرق والنسب المستند - بحسب دعوى أصحابه - على الحق الإلهي، والذي يجعل ممن عداهم مجرد خول وعبيد، لا يحق لهم الحصول على أدنى الامتيازات التي تخص السادة، وبالتالي رفض المبدأ القائم على الطبقية والعنصرية، ورفض الاستبداد والتجهيل، ورفض التسلط والإرهاب والابتزاز، الذي يمارس باسم الدين، والدين الحق منه براء.
فإذا سأل سائل: هل الدولة الإسلامية دولة دينية (ثيوقراطية)؟
الإجابة على هذا السؤال من غير الممكن أن تكون بنعم أو لا، ذلك أن في الأمر تفصيلاً..
نعم: إذا كنا نعني بذلك أن الشريعة نظام تتفرع عنه كافة التشريعات، على اعتبار أنه قانون إلهي، وضع الخطوط العامة، ووضح المقاصد والغايات التي يمشي عليها البشر .
ولا: إذا كنا نعني بذلك، النظام الذي ساد أوروبا في القرون الوسطى، عندما أمسكت طبقة رجال الدين بيدها أزمة السلطة السياسية العليا فعاثت فساداً.
ولماذا لا؟ لسبب بسيط: أنه لا يوجد في الإسلام طبقة رجال دين، فكل مسلم هو رجل دين، ومع احترامنا لعلمائنا وتبجيلنا لهم، فإننا عندما نقرأ لهم لا نقرأ قراءة المستسلم، المسلّم لآراء أولئك العمالقة الأفذاذ، بل نقرأ قراءة الباحث الناقد المستفيد مما فتح الله به عليهم، مع التزام الأدب معهم، وعندنا كتاب الله والسنة الصحيحة، فما وافقهما فهو دين محمد - صلى الله عليه وسلم - المرسل به من عند الله سبحانه، وما خالفهما فلا وزن له لدينا ولا اعتبار.
علماً بأن تعدد الآراء إنما يكون في الفروع والمتغيرات، أما الأصول وما ورد فيه نص قطعي فقد حسم أمرها، ولا مجال للاختلاف وتعدد الآراء في شأنها، كما أنه يستحيل أن يوجد في الإسلام مؤسسة تشبه الكنيسة تختص بأسرار الدين وطقوسه، فديننا واضح لا أسرار فيه، ولا طلاسم، ولا ألغاز، ولا بواطن .
جميع الحقوق محفوظه لموقع الشيخ محمد المحيسني 2011 - 2012