الغيبة والمغتابون .. الشيخ/ محمد المحيسني

الحمد لله هادي القلوب، ومصلح النفوس، ومهذب الأرواح، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القوي القدير العزيز الجبار الكريم الحنان، يهدي من يشاء ويكرم من يريد.

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وحافظ على دين الله والعبادة، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وكافة الصحابة، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة. أما بعد:

فاتقوا الله أيها المؤمنون لعلكم تفلحون!

معشر المسلمين! أتحدث إليكم عن إحدى آفات اللسان والتي هي أكثر فشواً في هذا العصر، وأكبر خطراً، وأعظم انتشاراً، ذلك هو داء الغيبة والسُخرية، الذي لم يعد مقتصراً على فئة الرجال دون النساء، أو العكس، ولم يعد مقتصراً على طبقة العوام دون المتعلمين، أو العكس، ولم يعد مقتصراً على الكبار دون الصغار أو العكس، بل اشترك باقترافه الجميع -إلا من رحم الله- فلو نظرت فيما يُشغل الناس به مجالسهم ووقت فراغهم واستجمامهم؛ لرأيت ما يروع من لغو الحديث غيبة وازدراء وسخرية، وتقعراً في الكلام وتشدقاً به؛ من أجل التعالي، أو استدرار المديح، أو غيرهما.

وهذا ليس في كل المجالس، وإنما في بعضها، ففي الناس من يعيش صفيق الوجه، شرس الطبع، لا تحجزه مروءة، ولا يردعه دين أو أدب، جرد لسانه مِقراضاً للأعراض بكلمات تنضح فُحشاً، وألفاظ تنهش نهشاً، يُسرف في التجني على عباد الله سخرية ولمزاً، فهذا طويل، وذاك قصير، وهذا أحمق، وذاك جهول، وهذا ثقيل، وذاك خفيف، وهذا كريم، وذاك بخيل، وكأنه قد وكل إليه القدح والتجريح، وقد غفل عن قوله سبحانه: {سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا} [آل عمران:181]، وعن قوله سبحانه: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق:18].

ويزداد الأمر وتعظم البلية حين ترى من عليه علامات الوقار، وملامح الاحتشام، وسيما الوجاهة، يُسْفر عن بذاءة وثرثرة، يَصم بالخوض في الباطل أذني جليسه، ولا يدع لأصحاب فضل فضلاً، يحمل عليهم الحملات الشعواء أحياءً أو أمواتاً، من جراء زلة لسان أو سبق قلم، فلا تطمئن له نفس، ولا يهدأ له بال، حتى يتكلم بفلان أو يسخر بفلان، فديدنه في المجالس الحديث بالآخرين سباً وازدراءً، وكذلك شأنه في مكتبه، وفي سوقه، وفي سائر اجتماعاته، فلا يرى أن الغيبة ممقوتة، ولا يرى أنها محبطة لما لديه من عمل صالح كان اكتسبه في صلاة وصوم ونحوهما.

والغريب في الأمر: أنه مع ما هو فيه من نهش لأعراض الأبرياء، سواء كان الكلام فيهم حقاً أم كذباً.. الغريب في ذلك أن من هذا شأنه لو سمع مقالة من آخر تفيد الذم له لاحمر وجهه، وانتفخت أوداجه، وتأبط الشر لمن تحدث فيه ونال منه، فلا ندري حقيقةً لما يغضب لنفسه من جراء سهم واحد وجه إليه، وهو الذي يوجه سهاماً عديدة في كل يوم، بل وفي كل ساعة أحياناً.

أيعتقد من هذه شاكلته أن عرضه يختلف عن أعراض غيره من المسلمين، أم يرى أن الوعيد في الغيبة يشمل غيره ولا يشمله، فغيره مؤاخذون ومحاسبون، وهو لوحده قد سقطت عنه التكاليف؛ فلا يحاسب على ما يصدره لسانه من سوء.

إلى كل من أرخى العنان للسانه؛ ليقول ما يشاء، وليتحرك كما يشاء، فيكذب عندما يريد الكذب، ويشي عندما يهوى الوشاية، ويغتاب وينم ويسخر عندما تحلو له المجالس.. إلى كل مسلم قد ابتلي بهذا الداء أوجه إليه هذه الآيات والأحاديث الزاجرة؛ لتقوم عليه الحجة، ولتكون منقذاً له من بوتقة اللسان.

يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات:11- 12].

وأما الأحاديث: فعن أبي هريرة رضي الله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيام بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته؛ فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار»(1).

فذكر النبي صلى الله عليه وسلم أصحاب الوقيعة في الناس عبر ألسنتهم في أول الحديث نظراً لما في ذلك من الأهمية.

يقول ابن حجر الهيتمي عن الغيبة:" إن فيها أعظم العذاب، وأشد النكال، فقد صح فيها أنها أربى الربا، وأنها لو مزجت بماء البحر لأنتنه وغيرت ريحه، وأن أهلها يأكلون الجيف في النار، وأن لهم رائحة منتنة فيها، وأنهم يعذبون في قبورهم، وبعض هذه كافية في كون الغيبة من الكبائر، فيكف إذا اجتمعت؟! وكل هذا في الأحاديث الصحيحة"(2).

ويقول ابن حجر في تعريفها:" وجدت بخط الإمام تقي الدين ابن دقيق العيد أنه روى بسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما كرهت أن تواجه به أخاك فهو غيبة»(3).

وللإمام أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فارتفعت ريح جيفة منتنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين»(4).

ولمعاذ بن أنس الجهني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حمى مؤمناً من منافق يغتابه بعث الله إليه ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مؤمناً بشيء يريد سبه حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال»(5).

ولقد ذكرت امرأة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بكثرة صلاحها، وصومها، ولكنها تؤذي جيرانها بلسانها، فقال: «هي في النار»(6).

وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يَخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم»(7).

وأما عائشة رضي الله عنها فتقول: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: «حسبك من صفية كذا وكذا» قال بعض الرواة(8): تعني قصيرة، فقال صلوات الله وسلامه عليه: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته»(9) ، أي: لأنتنته وغيرت ريحه.

وعن أبي بكر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته في حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام؛ كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت»(10).

فهذه الآيات والأحاديث -وغيرها كثير- كلها تأتي محذرة عن الغيبة، وعن الوقوع في أعراض المسلمين والمسلمات، ليعيش أفراد الأمة المسلمة حياة تعلوها المحبة، وتكسوها المودة، وليكونوا إخوة تجمعهم رابطة الإخوة في الدين، يتحلون بحفظ ألسنتهم عن إخوانهم، فكلما رأوا عيباً في أحدهم دفنوه رهبة من الله، ورغبة في أن يعيش كل فرد منهم حياة الأنس والرخاء والطمأنينة، فالألسن مشتغلة بذكر المحاسن عن المساوئ، شغلتهم عيوبهم عن عيوب غيرهم، هكذا يريد منا الإسلام.

فهذا هو ديننا، وهذه تعاليمه، ولكن ناساً يأبون أن تسير الأمة على هذا المنوال، بأعراض مصونة، وبكرامة محفوظة، وبعيوب مستورة، يأبون ذلك فيستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويصرون على الإباء لضعف الوازع الديني عندهم من جهة، وللدوافع النفسية من جهة أخرى.

قد يتساءل المسلم عن كنه الدوافع، وماهية البواعث للغيبة، فألخصها جواباً لسؤاله بهذه النقاط الموجزة:

أولاً: إشفاء الغيظ: فقد يغضب الإنسان من أخيه لسوء تصرف صدر منه، سواء كان ذلك التصرف في مال، أو طبع، فلا يجد ذلك الإنسان مجالاً للانتقام أخصب من مجال الغيبة، حيث يتسنى له أن يقول ما يشاء في عرض أخيه، فيرمي بسيل من الكلمات والشتائم ضد أخيه الغائب، وقد لا يرى في المجلس من يردعه أيضاً، فينهال في العداء انتقاماً لذلك الخطأ.

ثانياً: قصد الرفعة والاستعلاء على الغير، ومحاولة الصعود على أكتاف الآخرين، فيرمي بالكلمة على فلان من الناس؛ ليوهم من حوله بأنه على خلافها، فتارة يتهم زيداً بالبخل والشح؛ ليعتقد من حوله أنه كريم، وتارة يتهم عمراً بالجهل؛ ليفهم من حوله أنه عالم أو طالب علم، وأحياناً يتهمه بالكذب، وبعدم الأمانة، وبغير ذلك من الأمور؛ ظناً منه أن من حوله سينظر إليه بالنظرة التي أرادها هو لنفسه.

ومن المؤسف حقاً! أن هذا الدافع له وجود عند بعض طلاب العلم -هداهم الله- فتسمع في المجالس أحياناً ممن ينتظر منه الخير، ويؤمن منه الشر، من ينتقد الخطيب الفلاني، أو المحاضر الفلاني، ويسم ذاك بكذا، والآخر بكذا، فالخطيب الفلاني يلحن، والآخر أسلوبه ركيك، والثالث لا يشبع الموضوع، والرابع فيه كذا، وكأنه الرقيب عليهم، بل ويعتقد أن ما يقوله داخل ضمن إطار النقد الهادف البناء، وأنى له ذلك؟!

فالمقصود بالنقد الهادف البناء: أن يكون في وجه المنتَقد نفسه؛ من أجل أن يستفيد ويستقيم، وأما في حالة غياب المنتَقد فإن هذا من باب الغيبة، والدافع له في أغلب الأحيان إيهام من حوله بأنه هو الخطيب، أو الداعية المثالي، مع أن من هذا دأبه في الغالب لا يستطيع أن يقف مجرد وقفة أمام الجموع، فضلاً عن حسن اختيار الموضوع، وجميل طرحه.

ثالثاً: من الدوافع أيضاً: الحسد على الغير؛ فمن الناس من تثور ثائرته، وتشمئز نفسه، ويزداد صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء عند سماعه الثناء على أحد من الناس، فلا يجد متنفساً لذلك الضيق إلا بالقدح فيه، محاولاً أن يثنيهم عن المديح والثناء حباً لزوال تلك النعمة من ذلك الممدوح، فإذا لم يجد قدحاً أورد كلمات للتشكيك في أمره، فتارة يقول: لا تبالغوا في المدح، وتارة يقول: الإخلاص صعب جداً، وتارة يقول: قلتم فيه ما لا يستحق.. إلى غير ذلك من الكلمات.

والعجيب في الأمر أنهم لو قدحوا فيه لما نهرهم، ولما اعترض لهم ذلك الاعتراض، مع أنهم يأثمون في القدح، ويؤجرون في المدح إذا كان ذلك في حالة غياب الممدوح.

رابعاً: من الدوافع أيضاً: إرادة السخرية والاستهزاء به من باب إضحاك الآخرين، فأحياناً يقلد فلاناً في مشيته، وأحياناً يقلد كلامه، وأحياناً يأتي بكل حركة من الحركات المضحكة فيه، طمعاً في إضحاك من حوله دون مبالاة بذلك العرض النفيس المهدر، وتلك الكرامة المصونة التي أهانها وابتذلها من أجل أن يضحك الآخرين عليها.

خامساً: من دوافع الغيبة أيضاً: موافقة الأصدقاء ومجاملتهم بالاسترسال معهم فيما هم فيه من غيبة أو بهتان، فهو يخشى أن إحجامه عن الكلام معهم في عرض فلان، وعدم الخوض فيما يخوض به غيره من أصدقائه.. يخشى بذلك أن يستثقله من في المجلس أو ينفرون منه، ويرى أن مبادلتهم الشعور مما يقربه إليهم، ويحببه إلى نفوسهم، ولذلك فإنه يفتح فاه ضحكاً، ثم يتابع تلك الضحكة بكلمة مماثلة لغيرها، فعجباً لمن يُسخط خالقه ليرضى عنه المخلوق!

سادساً: من دوافع الغيبة أيضاً: استمراء بعض الناس لها، فلا يرون بها بأساً، فهم يتحلون بها إما جهلاً بحكمها، وإما لعدم القدرة على التخلص منها، وسر ذلك: غياب المنكر في بادئ الأمر، مما حدا به إلى استمرائها، واتخاذها ديدناً وفاكهة له، فجُل كلامه فيما يجري في الناس وبين الناس.. فلان خسر، فلان ربح، فلان يحسن التصرف، فلان لا يحسن التصرف، فلان بينه وبين أهله مشكلة.

وأحياناً يروج غيبته بأساليب مرضية لمن حوله، فيسوقها وكأنه مغتم لما أَلمَّ بأخيه وقد كذب، فيقول: مسكين فلان ساءتني بلواه بكذا، ثم يذكر ما بأخيه من عيب، مع أنك لم تره سانده بأمور فعلية إطلاقاً، مع أنه لو كان مهتماً حقيقة لما صرح بذكر اسمه إلا لمن يعنيهم الأمر، ولديهم الاستعداد بمساندته والوقوف معه.

إخوتي في الله! لعل هذه النقاط من أبرز دوافع الغيبة وبواعثها، وإلا فهناك الشيء الكثير من دوافع الغيبة سلمنا الله وإياكم منها.

أيها المسلمون! الغيبة داء خطير، وبلاء عظيم، وقد انتشر انتشاراً ملموساً بين المسلمين، فلا تستهينوا به لاستهانة غيركم به، فالعبرة ليست بكثرة السالكين، وإنما العبرة بالدليل، وقد سمعتم في حقها ما سمعتم من الآيات والأحاديث، والآن استمعوا إلى ما يقوله أسلافكم رحمهم الله تعالى.

يقول الحسن البصري رحمه الله:" والله للغيبة أسرع فساداً في دين المرء من الأكلة في الجسد".

ويقول رحمه الله:" ابن آدم إنك لم تبلغ حقيقة الإيمان حتى لا تعيب الناس بعيب هو فيك، وحتى تبدأ بصلاح ذلك العيب، فتصلحه من نفسك، فإذا فعلت ذلك كان شغلك في خاصة نفسك، وأحق العباد إلى الله من كان هكذا".

ويقول ابن عباس رضي الله عنه:" إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك؛ فاذكر عيوبك"(11).

ويقول أبو هريرة رضي الله عنه:" يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه، ولا يبصر الجذع في عين نفسه(12).

وقال عيسى عليه السلام للحواريين:" كيف تصنعون إذا رأيتم أخاكم نائماً، وقد كشف الريح ثوبه عنه؟ فقالوا: نستره ونغطيه، قال: بل تكشفون عورته، قالوا: سبحان الله! من يفعل هذا؟ فقال: أحدكم يسمع بالكلمة في أخيه، فيزيد عليها ويشيعها بأعظم منها"(13).

وأخيراً: فالمؤمن الكريم أبداً يستحضر في نفسه محاسن أخيه، لينبعث من قلبه التوقير والود والاحترام، والمنافق اللئيم أبداً يلاحظ المساوئ والعيوب، كما قال ابن المبارك رحمه الله:" المؤمن يطلب المعاذير، والمنافق يطلب العثرات"(14).

اللهم طهر ألسنتنا من الغيبة، واجعلنا ممن يتبعون الصالح من القول والعمل.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله يهدي إلى الطيب من القول، ويهدي إلى صراط الحميد؛ نحمده سبحانه ونشكره، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، أدبه ربه فأحسن تأديبه، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد:

فاتقوا الله أيها المسلمون! واحفظوا جوارحكم، وصونوا أنفسكم عن سفيه الأقوال والأفعال.

أيها المسلمون! اعلموا أنه لا بد من التمييز بين مداراة السفهاء، والإعراض عن الجاهلين، وبين إحقاق الحق والرد على المبطلين.

فالمداراة والإعراض تعني: ضبط النفس أمام استفزازات الجُهال، وكفها عن الاستثارة لعوامل الغضب والثأر.

وأما إحقاق الحق: فهو دعوة ومجادلة بالتي هي أحسن، وإظهار لعزة أهل الحق، وتجنب لبلادة النفس واستكانتها، وهذا النوع مما يسوغ الخوض فيه، بل قد يكون فيه ما يحرم السكوت عليه، وفي هذا يقول الله تعالى: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء:114].

أيها المسلمون! ما هو موقفنا تجاه الغيبة وأهلها؟ وإلى متى سنظل تحت جحيمها؟

إننا إذا لم نتخذ موقفاً قوياً صارماً في وجوه المغتابين، وقبل ذلك موقفاً قوياً مع ألسنتنا نحن.. إذا لم نقم بذلك فإن الخطر لا أقول علينا فقط، بل وعلى أجيالنا من بعدنا.

وإنني أرى أن أقوى موقف يتخذ تجاه الغيبة في المجالس: الذب مباشرة على أعراض الغائبين، والوقوف بقوة في وجوه المغتابين؛ فإن لم تكن هذه فلا أقل من الثانية، وهي: مفارقة المجلس امتثالاً لأمر رب العالمين، حيث قال ربنا سبحانه: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام:68].

وأي ظلم أن ينتهك عرض لأخيك على مسمع منك؟!

فمن سمع غيبة لمسلم ولم يَذد عن عرضه أصابته ذنوب الغيبة، وحوسب على سماعه، فالمسلم مطالب بالدفاع عن أخيه ما استطاع، وإلا فعليه المفارقة.

روت أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ذبَّ عن عرض أخيه بالغيبة، كان حقاً على الله أن يعتقه من النار»(15).

أخي المسلم! ليكن حظ أخيك منك ثلاثاً: إن لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تفرحه فلا تغمه، وإن لم تمدحه فلا تذمه.

وليكن لك في الذبِّ عن أخيك معياران:

المعيار الأول: أن تقدر أن الذي فيه لو قيل فيك ماذا كنت تحب أن يقوله أخوك فيك؟ أو لست تحب منه أن يدافع عنك؟ فكذلك هو يعيش بهذا الشعور.

المعيار الثاني: أن تتصور أنه حاضر يسمع الكلام من وراء جدار، أفلا تحب أن يسمعك وأنت تدافع عنه، أو تثني عليه؟ قال بعض السلف:" ما ذكر أخ لي بغيب إلا تصورته جالساً بيننا، فقلت فيه ما يحب أن يسمعه لو حضر"(16)، فحتى تتلاشى وتضمحل هذه السِمة المشينة لا بد من الوقفة الجادة في وجوه أربابها.

وأخيراً: أيها الإخوة في الله! اعلموا أن الغيبة محرمة في كتاب الله، سواء كان الكلام في الآخر حقاً أم باطلاً، إلا أن يكون مدحاً وثناءً، وأما ذم المسلم أثناء غيابه فلا يجوز بحال من الأحوال، إلا في هذه الحالات الآتية.

أولاً: المظلوم يشكو لمن يظن أن له قدرة على إزالة ظلمه.

ثانياً: الاستعانة على تغيير منكر مجاهر فيه، وذلك بقصد التوصل إلى إزالة هذا المنكر، كأن تأتي إلى طالب علم تستعين به بعد الله ليذهب ،معك أو ليذهب وحده لمناصحة مرابٍ أو مجاهر بفسق أو غيرهما.

ثالثاً: الاستفتاء: كقولك للمفتي: ظلمني فلان بكذا، مع أن الأولى إبهام الظالم، وعدم التصريح بالاسم، إلا إذا كان في ذلك مصلحة.

رابعاً: تحذير المسلم من الشر: كفاسق أو مبتدع، يريد أن يخالط المسلمين في أمور دنياهم، أو أن يتزوج منهم، بل إنه أحياناً يتحتم عليك أن تخبر بذلك إنقاذاً للأبرياء من المسلمين؛ لئلا يقعوا في شرك الفاجر أو المبتدع.

خامساً: إذا كان المسلم معروف بلقب، وقد رضي به، فلا بأس في ذلك، كالأعرج والأعمش، شريطة أن يكون ذلك من باب التعريف، وليس من باب الذم والتنقيص.

ختاماً: أعيد حديث حدث معاذ بن أنس الجهني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حمى مؤمناً من منافقٍ يغتابه، بعث الله إليه ملكاً يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مؤمناً بشيء يريد سبه، حبسه الله تعالى على جسر جهنم حتى يخرج مما قال»(17).

عباد الله! صلوا وسلموا على خير عباد الله؛ فقد أمركم الله بذلك، فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56]، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وعملنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب والغيبة والنميمة، وأعيننا من الخيانة؛ إنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

اللهم أصلح فساد قلوبنا، اللهم أصلح فساد قلوبنا، اللهم إنا نسألك حبك، وحب من يحبك، وحب العمل الذي يقربنا إلى حبك.

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.

اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين، اللهم فرج هم المهمومين، اللهم اكشف كربتهم يا رب العالمين.

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.

اللهم يا حي يا قيوم، اللهم أغثنا.. اللهم أغثنا.. اللهم أغثنا.. اللهم أغثنا غيثاً هنيئاً مريئاً غدقاً مجللاً نافغاً غير ضار، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين، اللهم رد ضالهم إليك رداً جميلاً، اللهم حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، واجعلهم من الراشدين.

عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون؛ فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

ــــــــــــــــــــــــ

(1) مسلم: باب تحريم الظلم، (4/1997)، رقم (2581).

(2) الجامع في الحديث لابن وهب (1/451)، وكنز العمال (3/235)، رقم (8030)، وفيض القدير (5/463).

(3) الزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيتمي (2/559).

(4) مسند أحمد (3/351)، رقم (14826).

(5) أبو داود: باب من رد عن مسلم غيبة (4/270)، رقم (4883).

(6) المستدرك: كتاب البر والصلة (4/183)، رقم (7304)، ومسند أحمد (2/440)، رقم (9673)، والجامع في الحديث لابن وهب (1/431)، وقال في مجمع الزوائد (8/169):" رواه أحمد والبزار ورجاله ثقات".

(7) أبو داود: باب في الغيبة (4/269)، رقم (4878)، ومسند أحمد (1/257)، رقم (2324).

(9) هو مسدد بن مسرهد، كما في السنن.

(8) أبو داود: باب في الغيبة (4/269)، رقم (4875).

(10) البخاري: باب الخطبة أيام منى (2/619)، رقم (1652)، ومسلم: بَاب تَغْلِيظِ تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَمْوَالِ (3/1306)، رقم (1679).

(11) انظر للآثار السابقة الزواجر عن اقتراف الكبائر (2/551).

(12) ابن حبان: ذكر الإخبار عما يجب على المرء من تفقد عيوب نفسه دون طلب معايب الناس (13/73)، رقم (5761)، والأدب المفرد (1/207)، والزهد لابن حنبل (178)، والزواجر (2/552)، وروي الأثر موقوفاً ومرفوعاً، وقال العجلوني في كشف الخفاء (351):" رواه البيهقي في الشعب والعسكري عن أبي هريرة رفعه بلفظ:" يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه وينسى الجذع أو الجذل في عينيه".

(13) إحياء علوم الدين (2/178).

(14) المصدر السابق (2/177).

(15) مسند أحمد (6/461)، رقم (27650)، والمعجم الكبير (24/176)، رقم (443)، وقال في مجمع الزوائد (8/95):" رواه أحمد والطبراني وإسناد أحمد حسن".

(16) إحياء علوم الدين (2/181).

(17) سبق تخريجه.