يمر الإخوة في ليبيا في هذه الأيام بمرحلة عصيبة ، لا تقلّ في خطورتها عن أيام الحرب والقتال ، لقد انتهت مرحلة الهدم ، وبدأت مرحلة البناء ، وما يجري في ليبيا هذه الأيام يجعلنا نشعر بالقلق ونستشعر الخطر المحدق بهم.. لهذا فإننا نوجه نداء حاراً إلى أحبابنا في ليبيا الحبيبة أن يكونوا عند حسن الظن، وأن يترفعوا عن المطامع والأغراض، وأن يضعوا مصلحة دينهم وبلادهم فوق كل اعتبار حتى يتم تجاوز الخطر الماحق الذي يتهددهم ..وذلك فيما نحسب لا يتم إلا بالاتحاد والالتفاف حول العلماء العاملين حتى تخرج السفينة إلى بر الأمان .. والله المستعان ..
سقط الطاغية الليبي سقوطا مدويا ، بعد أن أهلك الحرث والنسل ، وكانت نهايته من جنس عمله ، ولم يكن السقوط سهلاً، فما حدث إلا بعد تضحيات جسام من أحفاد عمر المختار .
لقد تم النصر بإرادة الله بعد أن دُفعت تكاليفه وبُذلت أسبابه ودفع وتهيأ الجو لاستقباله ، ولكن ماذا عن استبقائه ؟!
إن استبقاء النصر ما يزال بحاجة ماسة إلى كثير من العوامل وبدونها سيضيع ، ولهذا نوجّه النداء إلى إخوتنا أبناء ليبيا الحبيبة ، نقول لهم : تذكروا دوما أن الله عز وجل لم يعد بالنصر والتمكين ووراثة الأرض إلا من نصره ، قال تعالى " ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز " فمن هم هؤلاء الذين يتحقق فيهم وعد الله بالنصر ؟ الجواب يأتي بعدها مباشرة " الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور " .
إن على أهل ليبيا لكي يصلوا إلى مقام التمكين والنصر أن يتحقق فيهم ما يلي :
توثيق صلتهم بالله، والانتصار على شح النفوس، وسد خلة المحتاجين ، وذلك يتجلى أوضح ما يكون في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، بحيث يتجسد فيهم معنى الجسد الواحد المذكور في الحديث الشريف " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى " .
الدعوة إلى الخير والصلاح ومقاومة الشر والفساد وذلك يبدو جليا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، مع إيمان لا يخالطه شك بأن عاقبة الأمور لله رب العالمين ..
هؤلاء هم من يتحقق فيهم نصر الله وهؤلاء هم من يستحقون الحصول على استيفاء النصر واستبقائه ، ولن يكون النصر القائم الدائم بموجب وعد الله إلا بناء على تلك المقتضيات .
فإذا ما تحقق المنهج الإلهي فانتصر الحق وساد العدل ، وظهر الخير والصلاح ، وتوارت المطامع والشهوات ، وتنكّر كل شخص لذاته وشخصه ، فإن النصر سيبقى ويثمر لأن تلك القيم هي أدواته وغاياته ومقتضياته .
إن الأعداء في الداخل والخارج يتربصون بكم أيها الأحباب في ليبيا ، فكونوا على يقظة لما يراد بكم ، لقد حقق الله لكم النصر وبقي الحفاظ عليه وجني ثماره ، فكونوا كأبناء أم واحدة، واعتصموا بحبل الله جميعا ، ولا تفرقوا فتفشلوا وتذهب ريحكم .
ثمّ لا تغتروا بنصر الله وتمكينه، فلقد مكّن الله لأممٍ قبلكم بأكثر مما مكّن لكم وأعطاهم من القوة والمال والمتاع ما لم يعط لكم ، ومنحهم السمع والأبصار والأفئدة، فلما أعرضوا عن الله وتنكبوا طريق الحق ، وأعرضوا عن نصح الناصحين من الأنبياء والعلماء حلّ بهم الهلاك والبوار .
فهل سيكون أحفاد المختار عند مستوى المسئولية؟ إن كانوا كذلك فإننا نأمل أن يتحقق فيهم عملياً مقام الاستخلاف في الأرض وفقاً لوعد الله الذي لا يخلف الميعاد .
إن الالتفاف حول العلماء العاملين الذين هم ورثة الأنبياء وأدلّاء الحق ، ومن يمكنهم ضبط المسار والحيلولة دون انحرافه عن الوجهة الصحيحة هو ما سيحفظ البلاد والعباد ، وقد ورد في الحديث: " صنفان إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس ، العلماء والأمراء ..." فإذا كانت كلمة العلماء مسموعة، وحرمتهم مصونة، ومكانتهم محفوظة، ورأيهم محترم؛ تحقق صلاح الأمراء ، ودفع كيد الأعداء .
كما أن إعلاء قيم الأخوة والتعاون والاتحاد وإنكار الذات والترفع عن المصالح الشخصية وإعطاء كل ذي حق حقه؛ هو ما سيوحّد الصف، ويجمع الكلمة ويؤلف بين القلوب ، فلا ظلم ولا اعتساف ولا إقصاء .. ذلك ما نؤمله ونرجوه ، سائلين الله بمنه وكرمه أن يحفظ ليبيا وأهلها وأن يدفع عنهم شر الاختلاف والتفرق وأن يرد عنهم كيد الأعداء إنه سميعٌ مجيب الدعاء ... والحمد لله رب العالمين ..
جميع الحقوق محفوظه لموقع الشيخ محمد المحيسني 2011 - 2012