أهمية تربية الأبناء

أهمية تربية الأبناء

للشيخ/ محمد بن سليمان المحيسني

الخطبة الأولى:

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الوهاب, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل الخلق بلا ارتياب, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم المئاب, وسَلَّم تسليماً.

أما بعد:

أيها الناس!

اتقوا الله تعالى واشكروه على ما أنعم به عليكم من نعمة الأولاد, واعلموا أن هذه النعمة فتنة للعبد واختبار, فإما منحة تكون قرة عين في الدنيا والآخرة, وسروراً في القلب, وانبساطاً للنفس, وعوناً على مكابد الدنيا, وصلاحاً يحدوهم من البر في الحياة وبعد الممات, واجتماعاً في الدنيا على طاعة الله, واجتماعاً في الآخرة في دار كرامته, يقول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾[الطور:21].

والغالب أن الولد لا يكون مُنحَة حتى يقوم الوالد بما يجب عليه من رعاية وعناية, وتربية صالحة, وقد يكون الأبناء محنة وعناء, وشقاء وشؤماً على أهلهم ومجتمعهم, وذلك فيمن لم يقم بما أوجبه الله عليه, وأضاع حق الله فيهم.

أيها الناس!

يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾[التحريم:6].

روى ابن جرير عن ابن عباس في معنى الآية: «اعملوا بطاعة الله, واتقوا معاصي الله, ومروا أولادكم بامتثال الأوامر واجتناب النواهي»( ).

وعن علي قال في معناها: «علموا أنفسكم وأهليكم الخير وأدبوهم»( ).

عباد الله!

إن مهمة الأولاد مهمة عظيمة, يجب على الآباء أن يحسبوا لها حسابها, ويعدوا لها عدتها, خصوصاً في هذا الزمان, الذي تلاطمت فيه أمواج الفتن, واشتدت غُربة الدين, وكثرت فيه دواعي الفساد, حتى صار الأب مع أولاده بمثابة راعي الغنم في أرض السِّبَاع الضارية, إن غفل عنها أكلتها الذئاب.

ولقد حَمَّل الإسلام الآباء والأمهات مسؤولية كبرى في تربية الأبناء, وإعدادهم الإعداد الكامل لحمل أعباء الحياة, وتهددهم بالعذاب الأكبر إذا هم فرطوا وقصروا وخانوا, يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته, والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها»( ), ويقول صلى الله عليه وسلم: «أدبوا أولادكم وأحسنوا أدبهم»( ), رواه ابن ماجه.

أيها الناس!

إن عناية الإسلام بتربية الأولاد واستصلاحهم تبدوا واضحة في وقت مبكر, حيث يُشرع للزوج أن يختار الزوجة الصالحة, ذات الدين والأخلاق الفاضلة؛ لأنها بمنزلة التُّربة التي تُلقى فيها البذور, ولأنها ستكون عوناً للأب على تربيتهم, ثم شرع الإسلام للزوج عند اتصاله بزوجته أن يدعو فيقول: «بسم الله, اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا»( ), فإذا رُزق المولود استُحب له الأذان في أذنه اليمنى( ), كما وردت بذلك الأحاديث. كل ذلك مما يدل على حرص الإسلام وعنايته على تربية النشء تربية صالحة.

إخوتي في الله!

إن على كل واحد منا أن يراقب أهله وأولاده, في حركاتهم وسكناتهم, في ذهابهم وإيابهم, في أصحابهم وأخلائهم؛ حتى يكون على بصيرة من أمرهم, فَيُقِر ما يراه من ذلك صالحاً, وينكر ما يراه فاسداً.

أيها المسلمون!

إذا لم يقم الإنسان على مراقبة أهله وأولاده بنفسه, فمن الذي يراقبهم؟ هل يراقبهم أباعد الناس ومن لا صلة له فيهم؟ أو يترك هؤلاء الأولاد والأغصان الغَضَّة, تعصف بها رياح الأفكار المضلِّلَة, والاتجاهات المنحرفة, والأخلاق الهدَّامة, فينشأ ولداً فاسداً, لا يرعى لله ولا للناس حُرمة ولا حقاً. متحرراً من كل رِقٍّ إلا من رق الشيطان, منطلقاً من كل قيد إلا من قيد الشهوة والطغيان, نعم, لا بد أن تكون هذه نتيجة الإهمال, إلا أن يشأ الله.

أيها الإخوة في الله!

لقد ضل أقوام اعتنوا بتنمية أموالهم ورعايتها وصيانتها وحفظها, فأشغلوا أفكارهم وأبدانهم, وانشغلوا بها عن راحتهم, ثم نسوا بسببها أهليهم وأولادهم, وما هي قيمة هذه الأموال بالنسبة للأهل والأولاد؟ أليس من الجدير بهؤلاء أن يخصصوا شيئاً من أوقاتهم للجلوس مع أولادهم؛ حتى يكونوا بذلك شاكرين لله, ممتثلين لأمره؛ لأن الله جعل لهم الولاية, وحَمَّلهم المسؤولية؟ فأمر الله أرباب الأسر أن يقوا وأنفسهم وأهليهم النار.

والعجب من هؤلاء المضيعين لأمر الله في حق أولادهم؛ أن نار الدنيا لو أصابت طرفاً من ولده أو كادت أن تصيبه لسعى بكل ما يستطيعه من قوة ومال لدفعها, ولهرع لكل طبيب لمعالجتها من حَرَقها, فلماذا لا يحاول الآباء أن يخلصوا أولادهم من نار الآخرة؟

عباد الله!

إن كثيراً من الآباء يهملون تربية أولادهم في السنين الأُول, التي فيها يتقبل الولد كل واردة وشاردة, كما أخبر بذلك المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: «كل مولود يولد على الفطرة, فأبواه يهودانه, أو ينصرانه, أو يمجسانه»( ) رواه البخاري.

فالشاهد من سياق هذا الحديث: سرعة تَقَبُّل المولود, وأن الوالد في السنين الأولى يستطيع السيطرة عليه, ويستطيع إدخال كل ما يستحسن من قول وفعل في قلب هذا النشء الجديد, ولذلك نسمع من الآباء, الذين تساهلوا بأولادهم في صِغَرهم, يعتذرون بأعذار واهية, فمنهم من يقول معتذراً: أنا لا أستطيع تربيتهم, إنهم كبروا وتمردوا علي, إنهم يخالفون أمري, ولا يسمعون كلامي, والجواب على هذا العذر, يقال فيه: إنك أنت السبب في إسقاط هيبتك من نفوسهم؛ لأنك أضعت أمر الله في أول أمرهم, فتركتهم يتصرفون كما يشاؤون, لا تأنس بالاجتماع معهم, ولا تشاركهم في غدائهم وعشائهم, وإن شاركتهم فبجسمك فقط, وأما نفسك فمليئة بالهموم والمشاغل, وقلبك يجول في حطام الدنيا, وبدنك متعب مرهق, تصب عليهم الويلات, لو تأخروا عن تقديم الغداء أو العشاء؛ لأنك تريد المبادرة إلى الراحة مما بك من عناء.

معشر الآباء!

ليست تربية الأبناء مقصورة على التربية الجسمية, من توفير الطعام والشراب والكسوة والمسكن, أو إعطائهم متطلباتهم التكميلية, وإنما هذه الخصال جزء يسير مما على عاتقك من المسؤولية, إذ أن التربية الحقيقية هي التربية على الدين والأخلاق, المحافظة على فطرتهم عن التغير والفساد.

عباد الله!

إن المسلم ليتقطع قلبه أسىً وحزناً وقهراً, عندما يرى الغِلمان الصغار الذين لم يبلغوا الحُلُم يخالطون الذئاب البشرية من الشباب الفاسق, الذي نشأ على الفسق وتربى عليه, فيجلسون سوياً على جنبات الطرق, وعلى... ويتجولون معاً بسياراتهم في الطرقات, إن المشاهِد لهذا المنظر لَيُسَائل نفسه ويقف حيراناً, أين آباؤهم؟ أين إخوانهم؟ أين من حَمَّلهم الله مسؤوليتهم؟ ثم يقف المسلم مع نفسه مرة أخرى, عندما يرى الشباب يلعبون الكرة طيلة يومهم, من بعد صلاة العصر حتى ساعة متأخرة من الليل, فالمشاهِد لهذه الحالة يتفكر هل آباؤهم أحياء؟ وإذا كانوا أحياء فهل هم موجودون في بيوتهم؟ وإذا كانوا موجودين في بيوتهم فهل هم يعلمون أين أبنائهم؟ وإذا كانوا يعلمون أن أبنائهم خارج المنزل إلى تلك الساعة, فكيف يتركون فلذات أكبادهم, وثمرات قلوبهم فريسة لكل مفترس؟ ألا يشعرون بالمسؤولية؟ ألا يخافون الله في مَن ولاهم الله أمرهم؟

وإن مما يزيد الطين بَلَّة, ويوقد في القلب نار الغضب لمن في قلبه غيرة على أبناء المسلمين, ما يفعله بعض الآباء, فإن منهم من يُغدق على ولده العطاء, ويمده بالمال الذي يتمكن به من شهواته, ويزعم أنه يكرمهم بذلك, وهو قد أهانه, ويزعم أنه قد رحمه, وهو قد ظلمه. وبعضهم يُسارع في تلبية طلب ابنه أياً كان الابن صالحاً أو فاجراً, ومهما كان طلبه, فقد يطلب الابن سيارة, قد اختص المراهقون والسفلة من الشباب بها, فما إن تطلع شمس الغد حتى يحضر له تلك السيارة التي أرادها, ومن ثم يستخدمها هذا الولد لأغراضه السيئة, ويتمكن بها من الوصول إلى المجامع الفاسدة.

يا من هذه تربيتهم, إذا كنتم تظنون أن هذه هي التربية الإسلامية, فاعلموا أن هذه تُعتبر في نظر أهل التربية من أهل العلم والمعرفة تربية بَهيمية حيوانية. واعلموا أن للولد حقٌ على أبيه, كما أن للوالد حق على ولده, قال بعض العلماء: إن الله يسأل الوالد عن ولده يوم القيامة, قبل أن يسأل الولد عن والده, قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ..﴾[النساء:11], فمن أهمل بتعليم ولده ما ينفعه.. فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سُدَى, فقد أساء إليه غاية الإساءة, وأهانه غاية الإهانة, وسيندم المهمل حين لا ينفع الندم, عاتب بعض الآباء ولده على العقوق, فقال: يا أبَتِ, إنك عققتني صغيراً فعققتك كبيراً, وأضعتني وليداً فأضعتك شيخاً كبيراً.

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم, ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب, فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين, ولا عدوان إلا على الظالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أيها المسلمون!

اتقوا الله تعالى في أنفسكم وأولادكم, واعلموا أن هناك عوامل وأسباب تؤدي إلى انحراف أبنائكم, وإلى زيغهم, وفساد أخلاقهم, فإذا لم يكن المربون على مستوى المسؤولية والأمانة, وعلى علم بأسباب الانحراف وبواعثه, وعلى بصيرة بأخذ أسباب العلاج, وطرق الوقاية, فإن الأولاد لا شك سيقعون في... الضياع والشقاء, وعُصبة الفساد والجريمة, لذا فإن الكلام سيكون عن طرق التربية الإسلامية, وإن من الطرق التي نود ذكرها وتوضيحها هي:

تهيئة الجو المناسب للأولاد, من حيث حرية السؤال والمناقشة, ومساعدة الأب والأم في الإجابة عن السؤال, والملحوظ أن بعض الناس يخالف ذلك تماماً, فالطفل في أكثر الأسر لا قيمة له, إذا قال لم يستمعوا لكلامه, وإذا سأل وَبَّخوه وأنَّبوه, وإذا أراد الدخول إلى المجلس طردوه, وإن كان ي المجلس مُتَّسع, ففي هذا الجو الخانق الكئيب يعيش الطفل كالأسير.

ومن طرق التربية: جلوس الأب مع أولاده, فما أحسن الأب! وما أجمل الأم! حين يقضيان جلستهما عند المساء أو غيره مع أولادهما, بل ما أعظم أجرهما عند الله حين يجلسان مع الأولاد لسماع درس يحفظونه, أو تفهيم مسألة يكتبونها, أو إثارة مداعبة أو ممازحة يمرحون ويأنسون بها, ويحسون من خلالها بقدر الأُبُوة.

وكم يكون الأب ظالماً للولد, مستهتراً في حقه, قاتلاً لإنسانيته, حين يقضي أوقات فراغه في سهرة عابسة أو تجارة...؟

ومن طرقها: اتباع أسلوب التشجيع بالكلمة الطيبة حيناً, وبمنح الهدايا أحياناً, وانتهاج أسلوب الترغيب تارة, واستعمال طريقة الترهيب تارة أخرى.

ومن طرقها: ربط الولد بسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته, يقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: «كنا نعلم أولادنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نعلمهم السورة من القرآن», وما ذاك إلا ليتصف الولد بصفات الكمال, ويشب على خلق الشجاعة والإقدام, ولئلا يعرف قائداً وقدوة وزعيماً سوى النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ومن طرقها: تحفيظ كتاب الله سبحانه, والاعتناء به؛ لأن من يحفظ القرآن في سن مبكرة تنطبع أخلاقه بأخلاق القرآن, وهذه الطريقة أصبحت ولله الحمد يسيرة على المربين في هذه البلاد؛ لأن الجماعات الخيرية لتحفيظ كتاب الله قد انتشرت وبانت ثمارها, وظهرت نتائجها, فما على الأب إلا أن يلحق ابنه بإحدى حِلَق القرآن, ويعمل على تشجيعه وبذل المكافئات له.

ومن طرقها: استتارك بما ابتليت به من معصية, وخاصة شرب الدخان, ومن المؤسف جداً أن ممن حُمِّلوا مسؤولية التربية لم يكتفوا... بل ساعدوا على... من ذلك ما يفعله بعض من ابتلاهم الله بشرب الدخان, فإن منهم من يشربه أمام زوجته وأبنائه, وبعضهم لا يكتفي بهذا, بل يرسل أبنائه لشراء دُخَّانه, ولإحضار ما يحتاجه لشرب الدخان, ناسياً أنه ارتكب بفعلته هذه جرائم عديدة, منها: معصية الله ورسوله, ومنها تعويده لهذا الولد البريء, وتحسين شرب الدخان عنده, ومنها أمره لأبنائه بشرائه, فإن هذا أمر معصية, فإن أجابوك لهذا فقد عصوا الله بسببك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»( ),... قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾[الصف:2، 3].

ومن طرقها: الاهتمام والتركيز على الولد الأكبر؛ لأن التركيز على إصلاحه من أبرز المؤثرات في إصلاح بقية الأولاد, ولأن الولد الصغير عادة يحاكي ويقلد ما يفعله الأكبر؛ لأنه ينظر إليه أنه المثل الأعلى في كل شيء, فإذا وجد من يكبره سناً في تميع وانحلال, وإذا رأى من وُلد قبله يتقلب في متاهات الرذيلة والفساد, فلا شك أن أولاده به يتأثرون, وعنه يأخذون.

ومن طرقها: حماية الولد من الآثار السيئة لوسائل الإعلام التي تؤدي إلى انحراف الولد, وتدفعه إلى الشقاوة وارتكاب الجريمة, والسير وراء الميوعة والانحلال, وإن هذه الطريقة قد تساهل بها بعض الآباء, وتمادوا في تركها, وإن مشاهدة الولد للروايات البوليسية, والأفلام الخلاعية, وقراءته للمجلات الماجنة, والقصص الغرامية, لتشجعه على الانحراف والإجرام؛ لأن مثل هذه الأمور تُفسد أخلاق الكبار فضلاً عن المراهقين والأطفال الصغار. وقد ظهر هذا واضحاً جلياً في مظاهر بعض الشباب, الذين انخرطوا في هذا التيار.

ومن طرقها: أمرهم بالصلاة لسبع, وترغيبهم وحثهم عليها, ولا فرق في ذلك بين صلاة الفجر وبقية الصلوات, حيث أن بعضهم يتفقد ويأمر أبنائه في جميع الصلوات, وأما صلاة الفجر فكأنه لم يُطَالَب بها, وكأنها لم تُكتَب عليه, وإن الأولى للولي أن يهتم بتعويده صلاة الفجر؛ لأنها هي التي تشق على النفوس, وهي التي تحتاج إلى مجاهدة وعناء, فإذا اعتاد الابن على صلاة الفجر منذ الصغر استطاع بإذن الله أن يداوم عليها في الكِبَر.

ولقد أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم بذلك, فقال: «مروا أبنائكم بالصلاة لسبع, واضربوهم عليها لعشر, وفرقوا بينهم في المضاجع»( ) رواه أبو داود.

وشروط الضرب: أن لا يلجأ إليه إلا بعد استنفاد جميع الوسائل التأديبية, وأن لا يضرب في الأماكن المؤذية؛ كالرأس, والوجه, والصدر, وأن يضربه بنفسه, ولا يتركه لأحد من إخوته, حتى لا تتأجج بينهم نيران الأحقاد والمنازعات.

ومن طرقها: اختيار الرفيق الصالح, واختيار المدرسة التي تطمئن فيها على سلوك ولدك, فإن الولد الذي يُترك لقرناء السوء ورفقاء الفساد يتلقن منهم اللعن والسب والشتم, ويكتسب منهم أقبح العادات والأخلاق, وينشأ على أسوء ما يكون من التربية الفاسدة, لذلك كان السلف يحرصون على هذه الخصلة؛ لأنها من أهم الخصال, فكانوا يختارون لأبنائهم المربين الناصحين, فهذا هشام ابن عبد الملك يقول لمؤدب ولده: إن ابني هذا هو جلدة ما بين عيني, وقد وليتك تأديبه, فعليك بتقوى الله, وَأَدِّ الأمانة, وأول ما أوصيك به: أن تأخذه بكتاب الله, ثم رَوِّه من الشعر أحسنه, ثم تخلل به في أحياء العرب, فخذ من صالح شعرهم, وبَصِّره طرفاً من الحلال والحرام, والخُطَب والمغازي( ).

وهذا عبد الملك بن مروان ينصح المؤدب, فيقول له: علمهم الصدق كما تعلمهم القرآن, واحملهم على الأخلاق الجميلة, وجالس بهم أشراف الرجال, واضربهم على الكذب, فإن الكذب يهدي إلى الفجور, وإن الفجور يدعو إلى النار.

أيها المسلمون!

إن ما ذكرناه يُعتبر غيض من فيض, وإن مما عندكم أكثر مما سمعتموه, والمقصود أن يقوم المسلم على قدم وساق, لتربية من وُكِل إليه, حتى يُعذر عند الله؛ لأنك إذا عملت الأسباب لتربية ولدك, ثم لم يرد الله له هداية..

.. وسلم على عبدك ورسولك محمد, وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة, أبي بكر, وعمر, وعثمان, وعلي, وعن سائر الصحابة أجمعين, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم أصلح شباب المسلمين, اللهم رد ضالهم إليك رداً جميلاً, برحمتك يا أرحم الراحمين, اللهم قُرَّ عيوننا بصلاح آبائنا وأبنائنا, وبناتنا وأزواجنا, وإخواننا وأخواتنا, اللهم أعز الإسلام والمسلمين, واخذل الشرك والمشركين, اللهم أصلح ولاة أمورنا..

 


تعليقات
0
لا يوجد تعليقات