فلنستعِد أمجاد بدر الكبرى

فلنستعِد أمجاد بدر الكبرى

محمد بن سليمان المحيسني

أما بعد:

أيها المسلمون!

اتقوا الله تعالى فقد أمركم الله بتقواه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:70-71].

عباد الله!

لقد صاغ الإسلام الأمة الإسلامية صياغة فريدة؛ فجلا صدأها، وغيَّر كثيراً من مفاهيمها وعاداتها وتقاليدها، وأصَّل فيها عقيدة التوحيد الخالص، لا تشوبه شائبة، ولا يعكره كدر، وحفظها مما يضادُّها، أو ينافي كمالها، فصارت خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله.

ثم مضت بهذه العقيدة -وهي قلة قليلة- تهدي الأمم، وتدك معاقل الوثنية، فهوت دُول، وسقطت تيجان، وفتحت إمبراطوريات، وأعلى الله كلمته، ومكن لجنده في أرضه، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:47].

ففي مثل هذا الشهر - رمضان- من العام الثاني من الهجرة النبوية دارت معركة بين الحق والباطل..

بين قوى الشر وقوى الإيمان، هي غزوة البدر الكبرى التي ستظل ذكراها خالدة على مدى الأيام؛ لتقول للدنيا: إن الباطل مهما طال أمده، وقويت شكوته؛ فلا بد من يوم يَخرُ فيه صريعاً أمام روعة الحق، وقوة الإيمان.

معشر المسلمين!

تعلمون أن أهل مكة طاردوا المسلمين وأذاقوهم صنوف العذاب حتى ألجئوهم إلى الهجرة، ويا ليتهم وقفوا عند هذا الحد، بل حالوا بينهم وبين أموالهم وأزواجهم، وأعلنوا بالجوائز لمن يأتي بالنبي صلى الله عليه وسلم حياً أو ميتاً، ولكن خاب ظنهم ومرت الهجرة بسلام إلى المدينة المنورة، وبعد مضي عام واحد من هذه الهجرة بدأت الانتصارات تترا، والبطولات تتتابع، والفتوحات تتوالى.

وكان من أول عزهم وارتفاعهم اعتراضهم لقافلة قادمة من الشام إلى مكة مليئة بالضائع المتنوعة، وكان الداعي لاعتراض المسلمين هذه القافلة، إنما هو استرداد ما أخذه الكفار منهم قبل ذلك، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم نفراً من المسلمين لاعتراضها، فما إن علم أبو سفيان رئيس القافلة حتى غير طريقه، وبعث إلى قريش يطلب منها أن تتحرك لنجدته وإنقاذه، واستطاع أن ينجو بالتجارة، ولكن قريشاً خرجت بصناديدها وأبطالها لتأدب المسلمين لئلا يعودا إلى هذه الفعلة، ولله تعالى حكمة في خروجها.

إن المسلمين لم يكن في تصورهم قيام مثل هذه المعركة وهم في بدأ حياتهم، ولم يكن في حُسبانهم أن تحدث هذه المواجهة، ولكن يأبى الله إلا ما يريد!

فالتقى الجيشان..

التقى رسول الله صلى عليه وسلم بقريش عند ماء بدر، وكان هناك فرق شاسع بين عدده وعدد أعدائه، وبين عتاده وعتاد أنداده، أما المشركون فكانوا تسعمائة ويزيدون، وأما المسلمون فكانوا قلة، كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، وكان معهم نحو سبعين بعيراً يعتقبونها، وفرس واحد وقيل ثلاثة، كما ورد ذلك في سنن أبي داود، عن عبد الله بن عمرو قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجوا، فقال: «اللهم إنهم حفاة فاحملهم، وإنهم عراة فاكسهم، وإنهم جياع فأشبعهم» ففتح الله يوم بدر، فانقلبوا حينن انقلبوا وما فيهم رجل واحد إلا وقد رجع بجمل أو جملين، واكتسوا وشبعوا"(1)، وقد كانوا على غاية من قلة الظهر والزاد.

ولقد بلغ من إكرام الله لنبيه ومن معه في ذلك اليوم أن أنزل الله عليهم طشاً من مطر، وغشاهم الله بالنعاس أَمَنة منه، وأنزل معهم الملائكة عوناً لهم، يقول علي رضي الله عنه: "لقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح"(2).

وفيه أيضاً: أصابنا طش من مطر -يعني ليلة بدر- فانطلقنا تحت الشجر نستظل بها من المطر، وبات رسول الله يدعو ربه ويقول: «إن تهلك هذه الفئة لا تعبد»(3).

فأمد الله نبيه بنصر من عنده، وبجند من جنده، كما قال سبحانه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:9-10].

وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما رآهم: «اللهم إن هؤلاء قريش قد جاءت بخيلائها يُكذبون رسولك؛ فأنجر لي ما وعدتني، فأتاه جبريل فقال: خذ قبضة من تراب فارمهم بها؛ فأخذ قبضة من حصباء الوادي فرمى بها نحوهم، وقال: شاهت الوجوه(4)، فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه ومنخره وفمه شيء»(5)، ثم كانت الهزيمة، ولله الحمد.

وما زال المسلمون بعدها من انتصار إلى انتصار، ومن فتح إلى فتح، حتى أتى الوقت الذي ابتعد فيه المسلمون عن دينهم، وتلاطمت فيه الفتن كموج البحر، فتنٌ جعلت الحليم حيران، يصبح الرجل فيها مؤمناً، ويمسي كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا..

فتنٌ انهمك الناس في ملذاتها، وجدوا في تحصيلها؛ فصار حبهم وبغضهم فيها، ومعاداتهم من أجلها، وخلت الساحة من الدعاة الصادقين إلا قلة مضطهدة، فتمكن إخوان القردة من العالم وهيمنوا عليه، واستخدموا المال والنساء فأفسدوا القيم، وحرفوا الأمم، ونشروا الرذيلة، وحاربوا الفضيلة، فسادوا وحكموا العالم، وحركوه نحو مصالحهم، فأصبحنا شعوباً تائهة، يُقتل المسلمون جملة وتفصيلاً، فلا قلوبٌ تتحرك، ولا ألسن تنطق، فنزلت قيمتنا لما نزلت قيمة دين الله في أعين كثير منا، وصرنا فرقاً متعددة، وشباباً ضائعين، فزادت حَيرتنا، واشتد تَيهنا، وذهب أكثر عملنا سدى، فصدق فينا قول نبينا صلى الله عليه وسلم: «توشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة على قصعتها، قال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول! وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت» (6).

هكذا صرنا يا عباد الله!

بعد أن سُدنا قروناً طويلة، يوم أن طلق سلفنا الصالح هذه الدنيا، وكانت حالتهم كما قال القائل:

إن لله عباداً فطنا *** طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا

نظروا فيها فلما علموا *** أنها ليست لحي سكنا

تركوها لجة واتخذوا *** صالح الأعمال فيها سفنا

فما أحوج المسلمين في هذا الوقت إلى الصدق مع الله لمعرفة ما يكره، ومعرفة ما يرضاه، والجد في ذلك تعلماً وعملاً، وإخلاصاً ودعوة، وصبراً على الأذى.

معاشر المسلمين!

اعلموا أن الذي نصر نبيه وجنده يوم بدر لما صبروا وجاهدوا في سبيله، ناصر لكل مؤمن ومجاهد يسعى لتحقيق نصر دينه، ولنشر الفضيلة بين عباده، ولقد كنا نستمتع بأخبار الصحابة، وما حصل لهم من البطولات والكرامات والانتصارات التي قد ترفضها القلوب المريضة، وها نحن في القرن العشرين، في عصر التأخر والانحلال لكثير من بلدان المسلمين، ها نحن نسمع أخبار المجاهدين من العرب والعجم، بل ومن أهل هذا البلد من أبنائكم وإخوانكم تصل إلينا غضة طرية، مبينة بشائر النصر إن شاء الله، ومحققة لأهل هذا الزمن قول الله سبحانه: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:47].

فهذه وقعة وقعت في شهر شعبان الماضي القريب بين ثمانية من الشباب العربي في جبال أفغانستان..

بين شباب تركوا هذه النعمة، وتركوا هذا الترف..

تركوا المراكب الضخمة، والمساكن الخلابة، وذهبوا بأنفسهم إلى الجبال الشاهقة، وإلى الحياة الحرجة، تحت أصوات المدافع، وبين طلقات الرصاص، ذهبوا هناك لما سمعوا قول نبيهم صلى الله عليه وسلم: «رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها» (7).

ذهبوا هناك لما سمعوا قول حبيبهم: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات فيه أُجري عليه عمله الذي كان يعمل، وأُجري عليه رزقه، وأَمن الفتان» (8).

ذهبوا هناك لما سمعوا قول منقذ البشرية: «كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه يُنمى له عمله، ويؤمَّن فتنة القبر» (9) [حديث حسن].

وقوله صلى الله عليه وسلم: «ما من مَكْلوم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمي لونه لون الدم، والريح ريح المسك» (10).

ذهبوا لما سمعوا: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض» (11).

ذهبوا لما سمعوا أنه «ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة»(12).

حبهم لأنفسهم أخرجهم من هذا النعيم الزائل إلى ذلك النعيم السرمدي بقول محبوبهم: «عينان لا تمسهما النار؛ عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله» (13).

أيها المسلمون!

لما اشتبكت هذه الفئة القليلة التي تذكرنا بفئة رسول الله يوم بدر..

لما التقت بتلك الفئة العظيمة في العدد والعتاد، والذي يتمثل عتادهم كما قال لي أخي: إن ما معهم من الدبابات يصل إلى عشرين دبابة، وعدد من الجنود المليشيات، وثلاث طائرات، يقول: وقد كنا متوسطين جبلاً من جبال تلك الديار، وهمَّ الأعداء أن يحيطوا بنا من كل جانب، فأنطق الله قائدنا وأمرنا بأمر الله بأن ننقض عليهم، فواجهناهم بسلاحنا الضعيف، وبعددنا القليل، ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ [الأنفال:17]، فقتلنا من قتلنا منهم، وهرب من هرب، واستولينا على كثير من عتادهم، أما نحن فقد جرح بعضنا.

يقول: وإن من العجيب في الأمر أيضاً أن أحد الشباب ضرب ضربة قوية فأصابت بطنه حتى خرجت أمعاؤه، وانقطعت يده اليسرى فحملته مع بعض الشباب إلى مكان آمن، فلم يشعر بما أصابه من ذلك، وقد كان ينهاني من مس يده اليمنى، ويقول: أوجعتني، وأما خروج أمعائه فلم يشعر بها رحمة من الله وامتناناً.

ووقعة أخرى وقعت في شهر محرم، يحدثني بها أحد الشباب الذين حضروها، يقول: كنا مجموعة من الشباب تعبنا من مواجهة العدو في الجبهة، فأردنا أن نذهب إلى مركزنا لنستريح من عناء المواجهة قليلاً ثم نعود بعد ذلك، وفي رجعتنا واتجاهنا إلى مركزنا أقبلت طائرة من طائرات أعدائنا، وقد كانت تحمل معها قذائف عنقودية - من القذائف الممنوعة دولياً- وقد كنا في مكان بارز، فنحن نسير في طريق مسفلت في وسط صحراء مكشوفة، ليس فيها جبال ولا شجر، يقول: وإني لأقسم بالله أنهم يطلقون القذيفة نحونا فيصرفها الله عنا، فتبتعد عنا بمسافات، ثم تتفجر بعد ذلك.

الله أكبر!

سبحان من إذا قال للشيء كن فيكون.

هذه بعض الأخبار أسوقها ولا يتسع مقامنا لذكر أكثر منها، والمقصود هو الرجوع إلى الله ليرد الله إلينا عزنا ورفعتنا، فأسأل الله أن ينصر الإسلام والمسلمين.

اللهم انصر الإسلام والمسلمين، واخذل الشرك والمشركين، اللهم انصر المجاهدين الذين أحييت بهم حياة الصحابة، اللهم انصرهم في سبيلك، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم قوهم وسددهم وأعنهم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم خالف بين كلمة أعدائهم، وشتت شملهم، وأضعف قوتهم، وسلط عليهم الآفات المهلكة، والأمراض المستعصية، واجعل أموالهم وعتادهم غنائم للمسلمين يا رب العالمين، ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:169-171].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبي العالمين، وهادي البشرية أجمعين؛ محمد عليه وعلى آله وأصحابه أفضل الصلاة والتسليم،

أما بعد:

عباد الله!

اتقوا الله تعالى واذكروه، يقول الله سبحانه: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [النور:36-38].

معشر الصوام!

هناك سنة أميتت، أو كادت أن تموت، فأحيوها أحيى الله قلوبكم بالإيمان؛ إنها سنة الاعتكاف في المساجد، وهي سنة عظيمة رغب فيها حبيبنا صلى الله عليه وسلم، وقد كان لا يتركها في كل سنة من سنواته، تقول عائشة رضي الله عنها: «كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده» (14).

والاعتكاف هو: لزوم المسجد وعدم الخروج منه إلا لحاجة ماسة.

أخرج الطبراني والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من اعتكف يوماً ابتغاء وجه الله جعل الله بينه وبين النار ثلاث خنادق، كل خندق أبعد مما بين الخافقين» (15).

وفي حديث أبي هريرة قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً» (16).

فضاعف النبي صلى الله عليه وسلم مدة اعتكافه، كما ضاعف مدارسته للقرآن مع جبريل زيادة في الاجتهاد والطاعة بعد أن أُخبر بدنو الأجل، فجاهدوا أنفسكم على القيام بهذه السنة العظيمة، وفرغوا أنفسكم، وصفوا قلوبكم للتشبه بالملائكة، والتعرض لوجدان ليلة القدر التي جعلها الله خيراً من ألف شهر.

عباد الله!

صلوا وسلموا على خير عبادالله، فقد أمركم الله بذلك فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:56]، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة؛ أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا..

اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعلهم آمرين بالمعروف فاعلين له.

اللهم أصلح شباب المسلمين..

اللهم أصلح شباب المسلمين، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك.

اللهم احفظنا بالإسلام قائمين، واحفظنا بالإسلام قاعدين، واحفظنا بالإسلام راقدين.

اللهم اجعل من فوقنا نوراً، ومن تحتنا نوراً، وعن أيماننا نوراً، وعن شمائلنا نوراً ...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سنن أبي داود، باب في نفل السرية تخرج من العسكر (33/3) رقم (2749).

(2) مسند أحمد رقم (1023).

(3) مسند أحمد رقم (117).

(4) شاهت الوجوه: أي قبحت، ومنه رجل أشوه، وامرأة شوهاء، أي: قبيحةُ المنظر، جامع الأصول (8/399).

(5) المجالسة وجواهر العلم (8/176)، والمسند الجامع رقم (6974).

(6) سنن أبي داود، باب في تداعي الأمم على الإسلام (4/184) رقم (4229).

(7) صحيح البخاري، باب فضل رباط يوم في سبيل الله (3/1059)، رقم (2735).

(8) صحيح مسلم (3/1520)، رقم (1913).

(9) مسند أحمد (17396)، والمعجم الكبير للطبراني (15198)، وسنن الدارمي (2425).

(10) صحيح البخاري، باب المسك (5/)، رقم (5213).

(11) صحيح البخاري، باب درجات المجاهدين في سبيل الله (31028)، رقم (2637).

(12) صحيح البخاري، باب تمني المجاهد أن يرجع إلى الدنيا (3/1037)، رقم (2662)، وصحيح مسلم، باب فضل الشهادة في سبيل الله (3/1498)، رقم (18777).

(13) الجهاد لابن أبي عاصم، فضل حرس المسلمين (146)، والزهد لأحمد بن حنبل (ص 368).

(14) صحيح البخاري، باب الاعتكاف في العشر الأواخر(2/713)، رقم (1922)، وصحيح مسلم، باب اعتكاف العشر الأواخر من رمضان (2/830)، رقم (11722).

(15) المعجم الأوسط (7/220)، رقم (7326)، وقال: "لم يرو هذا الحديث عن عبد العزيز بن أبي داود إلا بشر بن سلم البجلي تفرد به ابنه".

(16) صحيح البخاري، باب الاعتكاف في العشر الأوسط من رمضان (2/719)، رقم (1939).


تعليقات
0
لا يوجد تعليقات